فاروق الرماحي
حين أودعت بغداد خرائطها البحرية لدى الأمم المتحدة، لم تكن تطلق صاروخاً سياسياً، بل كانت تمارس حقاً سيادياً خالصاً تكفله القوانين الدولية لكل دولة تطل على بحر.
لم تُحرّك قطعةً عسكرية، ولم تُغيّر شِبراً بالقوة، ولم تفرض أمراً واقعاً.
كل ما فعلته أنها وثّقت حدودها البحرية كما تفعل الدول الطبيعية.
ومع ذلك، بدا وكأن المنطقة استيقظت على إنذار أحمر، وكأن العراق ارتكب خطيئة لا تُغتفر لأنه تجرأ على أن يقول هذا حقي.
العراق الذي خرج من حروب وحصار واحتلال وفوضى، لم يعد يقبل أن يُعامل كدولة قاصرة تحتاج وصاية في كل خطوة.
البحر بالنسبة له ليس تفصيلاً جغرافياً ضيقاً، بل رئة وطن كاملة.
ومنذ إنشاء ميناء مبارك الكبير على جزيرة بوبيان، والقلق العراقي يتصاعد من أي إجراء قد يضيّق حركة الملاحة في خور عبد الله، المنفذ البحري الأهم. وفي المقابل، يعلّق العراقيون آمالهم على ميناء الفاو الكبير بوصفه مشروع استعادة الدور، لا مشروع تحدٍّ لأحد. فهل أصبح الدفاع عن المنفذ البحري استفزازاً؟
وهل تحوّل تثبيت الحدود قانونياً إلى إعلان خصومة؟
الخلاف، في جوهره، حدودي ملاحي قابل للمعالجة بين حكومتين عبر القانون الدولي والحوار المباشر.
لكنه تحوّل بسرعة إلى موجة بيانات إقليمية متسارعة، ومزايدات على السوشل ميديا وكأن الاصطفاف بات أسرع من التحقق.
من حق الكويت أن تقلق، ومن حقها أن تدافع عن رؤيتها، لكن من حق العراق أيضاً أن يُسمَع صوته دون أن يُدان مسبقاً.
السيادة ليست امتيازاً يُمنح لدولة ويُحجب عن أخرى.
الذاكرة العراقية مثقلة.
وحين يرى العراقيون سرعة التنديد في قضيتهم، يستحضرون قضايا أخرى في الإقليم لم تحظَ بالاندفاع العروبي ذاته، مثل الجزر الإماراتية الثلاث التي تسيطر عليها إيران منذ عقود طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى المقارنة هنا ليست لتوسيع النزاعات، بل لتفسير شعورٍ عراقي عميق بازدواجية المعايير والنافق الإعلامي العربي ، فلم نسمع كلمة شجب او ادانة او اي حديث على وسائل التواصل عن هذا الاحتلال .
بينما يتحرك العراق، ترتفع الأصوات فوراً ، وحين يتعلق الأمر بملفات أخرى، يسود خطاب أكثر حذراً.
هذا الإحساس لا يولد من فراغ. إنه نتاج عقود من الشك المتبادل، ومن صورةٍ نمطية ترسّخت عن عراقٍ يجب أن يبقى تحت المراقبة الدائمة.
لكن العراق اليوم ليس عراق الأمس.
لا يسعى إلى تغيير خرائط بالقوة، بل إلى تثبيتها بالقانون.
ولا يبحث عن معارك جديدة، بل عن اعتراف كامل بسيادته.
وفي خضم هذا الجدل، عاد سؤال الهوية ليطفو على السطح ماذا تعني العروبة لنا كعراقيين ؟
إن لم تعنِ احترام سيادة كل دولة عربية؟
في حين كل الدول الناطقة بالعربية تتأمر علينا وتتطاول على سيادتنا !
هل اللغة المشتركة تعني اصطفافاً آلياً ضد طرفٍ عربي كلما نشب خلاف؟ الدول لا تُدار بالشعارات، بل بالمصالح. واللغة لا تلغي حق الدولة في أن تختلف أو أن تدافع عن نفسها.
الولايات المتحدة تتحدث الإنجليزية، لكنها ليست امتداداً سياسياً لبريطانيا. وكذلك الحال في محيطنا العربي الاشتراك الثقافي لا يعني الذوبان السياسي .
فالعراقيون يعتزون بهويتهم التاريخية والحضارية، بكل تنوعهم الديني والمذهبي والعرقي .
الغضب الشعبي العراقي مفهوم وواضح .
شعبٌ دفع أثماناً باهظة عبر تاريخه الحديث لن يقبل أن يُنظر إليه كطرفٍ مشكوك في نواياه كلما مارس حقاً مشروعاً.
لكن قوة العراق لا تكمن في الانفعال، بل في ثقته بنفسه.
الرد الحقيقي ليس في التصعيد الإعلامي، بل في تحويل الحق القانوني إلى مكسب دبلوماسي، وفي بناء قوة اقتصادية ومؤسساتية تجعل أي خلاف يُدار من موقع الندية لا الحساسية.
العراق ليس دولة طارئة على الجغرافيا، ولا رقماً قابلاً للحذف من معادلات المنطقة.
هو بلد الحضارات الأولى، وبلد الممرات المائية التي صنعت التجارة منذ آلاف السنين.
وحين يودِع خرائطه اليوم، فإنه لا يستفز أحداً ، بل يعلن أنه عاد ليمارس دوره الطبيعي كدولة كاملة السيادة.
المعركة الحقيقية ليست مع بيان تنديد هنا أو موقف سياسي هناك.
المعركة هي أن يؤمن العراقيون أنفسهم بأن بلدهم ليس بحاجة إلى إستئذان كي يكون دولة.
وأن يفهم الجوار أن عراقاً واثقاً مستقراً هو ضمانة للمنطقة، لا تهديداً لها. الخرائط التي أودعت ليست تحدياً، بل تثبيتاً لحق.
والحق، حين يُمارس بهدوء وثبات، يصبح أقوى من أي ضجيج.
