منصة ثقافية أدبية

قراءة في السياسة التي لا تُقال حسن عبد الهادي العكيلي س: كيف يمكن فهم دونالد ترامب سياسيًا بعيدًا عن الخطاب الأخلاقي؟
ج: لفهم ترامب، يجب أولًا التخلي عن فكرة أنه رجل أيديولوجيا أو صاحب مشروع قيمي. ترامب سياسي صفقة بامتياز يرى العالم كسوق مفتوحة، والدول كشركات، والأزمات كأدوات ضغط قابلة للتوظيف. في هذا المنطق، لا مكان فعليًا لحقوق الإنسان، ولا للمتظاهرين، ولا حتى للمبادئ الكبرى، ما لم تتحول إلى أرقام أو أوراق تفاوض. س: لماذا يلوّح ترامب بضربة عسكرية ضد إيران؟ وهل هو جاد؟
ج: التلويح بالضربة لا يعني بالضرورة الرغبة في الحرب. ترامب يدرك أن الحرب الشاملة مكلفة اقتصاديًا، مقلقة للأسواق، وخطيرة سياسيًا. ما يريده هو ضربة محسوبة: محدودة في الميدان، واسعة في الإعلام، قابلة للتسويق داخليًا. ضربة تُنتج صورة “الرئيس القوي” دون أن تُنتج حربًا طويلة. س: ما العلاقة بين التصعيد مع إيران وسوق النفط؟
ج: أي توتر مع إيران يمر حتمًا عبر مضيق هرمز، ولو إعلاميًا. هذا وحده كفيل برفع أسعار النفط. والارتفاع، مهما كان مؤقتًا، يصب مباشرة في مصلحة شركات الطاقة، واللوبيات المرتبطة بها. في السياسة الأمريكية، النفط ليس تفصيلًا اقتصاديًا، بل أداة نفوذ وانتخاب. س: ولماذا تبدو دول الخليج حاضرة دائمًا في لحظة التصعيد؟
ج: لأن منطق “الخطر الإيراني” يُعاد تسويقه كل مرة كفرصة لبيع الحماية. كلما ارتفع منسوب التهديد، فُتحت دفاتر السلاح، ووقّعت عقود بمئات المليارات. إيران هنا ليست عدوًا بقدر ما هي “فزاعة استراتيجية” تُدر أرباحًا سياسية واقتصادية. س: إذا كان الأمر كذلك، لماذا لا يسعى ترامب لإسقاط النظام الإيراني؟
ج: إسقاط النظام يعني الدخول في المجهول، وترامب يكره المجهول. الفوضى لا يمكن تسعيرها، ولا التفاوض معها، ولا توقيع الصفقات باسمها. النظام الإيراني، رغم عدائه، خصم معروف، منضبط نسبيًا، قابل للضغط، ويمكن إعادتُه إلى طاولة التفاوض. وهذه صفات مثالية في عقلية الصفقات. س: لكن أليس النظام الإيراني عدوًا خطيرًا؟
ج: هو عدو، لكنه عدو محسوب. يعرف الخطوط الحمراء، ويتجنب الصدام المباشر، ويستخدم أدوات غير مباشرة بسقوف مدروسة. هذا النوع من الخصوم أفضل – في الحسابات الاستراتيجية – من أنظمة منهارة أو قوى فوضوية لا مركز لها. س: وأين تقف إسرائيل من هذا المشهد؟
ج: المفارقة أن إسرائيل لا تريد إيران نووية، لكنها في الوقت نفسه لا تريد إيران منهارة. العدو المُنهك والمراقَب أفضل من الفراغ. انهيار إيران قد يفتح جبهات غير قابلة للضبط، وهو سيناريو لا تفضّله تل أبيب ولا واشنطن. س: لماذا يستمر التصعيد إذن؟
ج: لأن الهدف الحقيقي ليس إسقاط إيران، بل إبقاءها في حالة إنهاك دائم:
عقوبات، ضربات موضعية، ضغط اقتصادي، عمليات نوعية… دون اجتياح أو احتلال. نزيف بطيء، لا موت كامل. س: وأين يقع العراق في هذه المعادلة المعقّدة؟
ج: العراق ليس هدفًا مباشرًا، بل ساحة ضغط. كل تصعيد مع إيران يمر عبره: رسالة، اختبار نفوذ، أو ورقة تفاوض. لا تريد واشنطن عراقًا قويًا مكتمل السيادة، ولا عراقًا تابعًا بالكامل، بل عراقًا هشًا قابلًا للضبط، لا يُربك توازنات الطاقة ولا يخلق معادلات جديدة. س: ولماذا لا يعني ترامب كثيرًا ما يجري داخل إيران من احتجاجات؟
ج: لأن التغيير عبر الشارع يعني فوضى، والفوضى لا تُدار بالصفقات. ترامب يتعامل مع أنظمة، جنرالات، شركات، وأرقام… لا مع شعوب. الخلاصة
ترامب لا يريد ضرب إيران لإسقاطها،
ولا لتحرير شعبها،
بل لإبقائها قائمة، ضعيفة، محاصَرة… ومربحة.    • كاتب وباحث سياسي متخصص في التخطيط الاستراتيجي وصناعة السياسات العامة


بتاريخ فبراير 7, 2026 | في اراء حرة

المشاهدات : 11


قراءة في السياسة التي لا تُقال

حسن عبد الهادي العكيلي

س: كيف يمكن فهم دونالد ترامب سياسيًا بعيدًا عن الخطاب الأخلاقي؟
ج: لفهم ترامب، يجب أولًا التخلي عن فكرة أنه رجل أيديولوجيا أو صاحب مشروع قيمي. ترامب سياسي صفقة بامتياز يرى العالم كسوق مفتوحة، والدول كشركات، والأزمات كأدوات ضغط قابلة للتوظيف. في هذا المنطق، لا مكان فعليًا لحقوق الإنسان، ولا للمتظاهرين، ولا حتى للمبادئ الكبرى، ما لم تتحول إلى أرقام أو أوراق تفاوض.

س: لماذا يلوّح ترامب بضربة عسكرية ضد إيران؟ وهل هو جاد؟
ج: التلويح بالضربة لا يعني بالضرورة الرغبة في الحرب. ترامب يدرك أن الحرب الشاملة مكلفة اقتصاديًا، مقلقة للأسواق، وخطيرة سياسيًا. ما يريده هو ضربة محسوبة: محدودة في الميدان، واسعة في الإعلام، قابلة للتسويق داخليًا. ضربة تُنتج صورة “الرئيس القوي” دون أن تُنتج حربًا طويلة.

س: ما العلاقة بين التصعيد مع إيران وسوق النفط؟
ج: أي توتر مع إيران يمر حتمًا عبر مضيق هرمز، ولو إعلاميًا. هذا وحده كفيل برفع أسعار النفط. والارتفاع، مهما كان مؤقتًا، يصب مباشرة في مصلحة شركات الطاقة، واللوبيات المرتبطة بها. في السياسة الأمريكية، النفط ليس تفصيلًا اقتصاديًا، بل أداة نفوذ وانتخاب.

س: ولماذا تبدو دول الخليج حاضرة دائمًا في لحظة التصعيد؟
ج: لأن منطق “الخطر الإيراني” يُعاد تسويقه كل مرة كفرصة لبيع الحماية. كلما ارتفع منسوب التهديد، فُتحت دفاتر السلاح، ووقّعت عقود بمئات المليارات. إيران هنا ليست عدوًا بقدر ما هي “فزاعة استراتيجية” تُدر أرباحًا سياسية واقتصادية.

س: إذا كان الأمر كذلك، لماذا لا يسعى ترامب لإسقاط النظام الإيراني؟
ج: إسقاط النظام يعني الدخول في المجهول، وترامب يكره المجهول. الفوضى لا يمكن تسعيرها، ولا التفاوض معها، ولا توقيع الصفقات باسمها. النظام الإيراني، رغم عدائه، خصم معروف، منضبط نسبيًا، قابل للضغط، ويمكن إعادتُه إلى طاولة التفاوض. وهذه صفات مثالية في عقلية الصفقات.

س: لكن أليس النظام الإيراني عدوًا خطيرًا؟
ج: هو عدو، لكنه عدو محسوب. يعرف الخطوط الحمراء، ويتجنب الصدام المباشر، ويستخدم أدوات غير مباشرة بسقوف مدروسة. هذا النوع من الخصوم أفضل – في الحسابات الاستراتيجية – من أنظمة منهارة أو قوى فوضوية لا مركز لها.

س: وأين تقف إسرائيل من هذا المشهد؟
ج: المفارقة أن إسرائيل لا تريد إيران نووية، لكنها في الوقت نفسه لا تريد إيران منهارة. العدو المُنهك والمراقَب أفضل من الفراغ. انهيار إيران قد يفتح جبهات غير قابلة للضبط، وهو سيناريو لا تفضّله تل أبيب ولا واشنطن.

س: لماذا يستمر التصعيد إذن؟
ج: لأن الهدف الحقيقي ليس إسقاط إيران، بل إبقاءها في حالة إنهاك دائم:
عقوبات، ضربات موضعية، ضغط اقتصادي، عمليات نوعية… دون اجتياح أو احتلال. نزيف بطيء، لا موت كامل.

س: وأين يقع العراق في هذه المعادلة المعقّدة؟
ج: العراق ليس هدفًا مباشرًا، بل ساحة ضغط. كل تصعيد مع إيران يمر عبره: رسالة، اختبار نفوذ، أو ورقة تفاوض. لا تريد واشنطن عراقًا قويًا مكتمل السيادة، ولا عراقًا تابعًا بالكامل، بل عراقًا هشًا قابلًا للضبط، لا يُربك توازنات الطاقة ولا يخلق معادلات جديدة.

س: ولماذا لا يعني ترامب كثيرًا ما يجري داخل إيران من احتجاجات؟
ج: لأن التغيير عبر الشارع يعني فوضى، والفوضى لا تُدار بالصفقات. ترامب يتعامل مع أنظمة، جنرالات، شركات، وأرقام… لا مع شعوب.

الخلاصة
ترامب لا يريد ضرب إيران لإسقاطها،
ولا لتحرير شعبها،
بل لإبقائها قائمة، ضعيفة، محاصَرة… ومربحة.

 

 كاتب وباحث سياسي متخصص في التخطيط الاستراتيجي وصناعة السياسات العامة

الوسوم: