منصة ثقافية أدبية

زوجها ليس إنساناً… لكنه يسكن هاتفها


بتاريخ أغسطس 20, 2026 | في اراء حرة

المشاهدات : 8


نسرين حمزة

لم تعد المراهقة اليوم تبحث دائماً عن الحب والاهتمام في العالم الحقيقي؛ فهناك من بدأ يجد جزءاً من ذلك داخل شاشة الهاتف، مع شخصية من صنع الذكاء الاصطناعي تستمع إليه في أي وقت، تجيب عن أسئلته، وتمنحه مساحة للحديث من دون ملل أو إحراج.

المسألة لم تعد مجرد خيال. ففي دراسة وطنية أميركية نشرتها Common Sense Media عام 2025، قال 72% من المراهقين بين 13 و17 عاماً إنهم استخدموا رفاق الذكاء الاصطناعي مرة واحدة على الأقل، فيما يستخدمهم أكثر من نصفهم بصورة منتظمة. وقال نحو ثلث المراهقين إنهم استخدموا هذه الأنظمة للتفاعل الاجتماعي والعلاقات، بما في ذلك الصداقة والدعم العاطفي والتفاعلات الرومانسية. والأكثر إثارة للانتباه أن نحو ثلث المستخدمين قالوا إنهم اختاروا أحياناً الحديث مع الذكاء الاصطناعي في أمور مهمة أو جادة بدلاً من أشخاص حقيقيين.

وهنا تبدأ القصة التي تستحق أن نتوقف عندها. المشكلة ليست أن فتاة صغيرة تحدثت مع برنامج، فالتكنولوجيا أصبحت جزءاً من حياتنا، ولا يمكن عزل الأبناء عنها. المشكلة تبدأ عندما تتحول المحادثة إلى تعلق، ويصبح الذكاء الاصطناعي بالنسبة إلى المراهق أكثر من مجرد أداة، فيراه صديقاً أو حبيباً أو شخصية قريبة منه، وربما يمنحه اسماً ودوراً يشبه الزوج أو الشريك الافتراضي.

قد تنتظر المراهقة رسالته، تحزن عندما لا تحصل على الرد الذي تريده، تغار من الشخصية التي صنعتها في مخيلتها، وتحكي لها أسرارها ومشكلاتها العائلية والعاطفية. ومع تكرار الحديث، يمكن أن تتحول الشخصية الافتراضية إلى جزء من يومها، ويصبح غيابها مصدر ضيق أو فراغ.

وهذه ليست مجرد مخاوف نظرية. ففي أبريل 2025، أجرت Common Sense Media بالتعاون مع خبراء من Stanford Medicine تقييماً لعدد من منصات رفاق الذكاء الاصطناعي، وخلصت إلى أن هذه الخدمات تنطوي على مخاطر غير مقبولة لمن هم دون 18 عاماً، وحذرت تحديداً من مخاطر التعلق والاعتماد العاطفي.

السبب مفهوم إلى حد كبير. الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يحافظ على الحوار، ويسأل المستخدم عن مشاعره، ويتذكر سياق الحديث، ويقدم إجابات تبدو متفهمة وودودة. لكنه في النهاية ليس إنساناً، ولا يملك مشاعر حقيقية، ولا يستطيع أن يحل محل الأسرة أو الصديق أو العلاقة الإنسانية الطبيعية.

ومع ذلك، قد لا يكون هذا الفرق واضحاً دائماً للمراهق.المراهقة في هذه المرحلة العمرية تبحث عن القبول والاهتمام والانتماء. وإذا لم تجد مساحة كافية للحديث داخل البيت، أو شعرت بأن أحداً لا يسمعها، فقد يكون من السهل أن تلجأ إلى شاشة لا تقاطعها ولا تشعرها بالخجل ولا تقول لها إن مشكلتها تافهة.

وهنا يصبح السؤال الأهم بالنسبة إلى الأسرة ليس فقط: «ماذا تفعل ابنتي على الهاتف؟»، بل: «لماذا أصبحت تجد في آلة ما لا تجده فينا؟».

هذه النقطة تحديداً هي التي يجب ألا تضيع وسط الخوف من التكنولوجيا. فالمشكلة ليست في الذكاء الاصطناعي وحده، وإنما في الطريقة التي يدخل بها إلى حياة المراهق، وفي غياب الحوار والرقابة والوعي، وفي تحول التكنولوجيا من وسيلة إلى ملجأ عاطفي.

وتشير بيانات أحدث نشرتها Common Sense Media في يونيو 2026 إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يعد بالنسبة إلى بعض الأطفال والمراهقين مجرد وسيلة لإنجاز الواجبات أو الحصول على المعلومات، بل أصبح بالنسبة إلى بعضهم شخصاً يفضون إليه بما يشعرون به، في وقت تقول فيه الدراسة إن قرابة نصف الأطفال لم يتحدثوا مع والديهم عن سلامة استخدام الذكاء الاصطناعي.

وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.نحن لا نتحدث عن جيل سيترك التكنولوجيا، فهذا أمر غير واقعي. نحن نتحدث عن جيل يحتاج إلى أن يتعلم مبكراً الفرق بين الإنسان والآلة، وبين الصداقة الحقيقية والتفاعل المصطنع، وبين الحب والعلاقة التي تصنعها خوارزمية مصممة لإبقاء المستخدم داخل المحادثة.

والأسرة أمام مسؤولية كبيرة. لا يكفي أن نمنع الهاتف أو نحذف تطبيقاً، لأن التطبيق يمكن أن يعود، والمنصة يمكن أن تتغير، والتكنولوجيا تتقدم أسرع من قدرتنا على المنع. الأهم أن يعرف الأب أو الأم ماذا يحدث داخل عالم أبنائهم الرقمي، وأن يكون البيت مكاناً يستطيع فيه المراهق الحديث من دون خوف أو سخرية أو تجاهل.

فالخطر الحقيقي ليس أن تقول فتاة: «هذا زوجي الافتراضي».

الخطر أن تصل إلى مرحلة لا تجد فيها من يسمعها وتثق به وتلجأ إليه إلا ذلك الهاتف.

عندها لا تكون المشكلة في الهاتف وحده، ولا في الذكاء الاصطناعي وحده، بل في الفراغ الذي سبق الاثنين.

فحين يترك البيت مساحة عاطفية فارغة، قد تأتي الخوارزمية لتملأها.

الوسوم: