د. عـــــلاء الـخطـيب
تزخر الساحة الثقافية والصحفية العراقية بأسماء كثيرة تركت بصمتها الواضحة، وامتلكت حضوراً مؤثراً في ميادين الفكر والإعلام والثقافة. ومن بين هذه الأسماء يبرز الكاتب والصحفي محمد الكلابي، بوصفه واحداً من الشخصيات التي تشكّلت تجربتها بين بيئة ثقافية وسياسية مبكرة، ومسار أكاديمي وفكري وإعلامي امتد من العراق إلى قطر، ثم السويد وألمانيا.
وُلد الكلابي في مدينة النجف في العراق، وسط عائلة أدبية وثقافية وسياسية عُرف تاريخها بالنشاط السياسي، وهو نشاط تمتد جذوره إلى عام 1920، حين انطلقت ثورة العشرين بهدف إخراج الانتداب البريطاني من العراق.
ينتمي محمد إلى عائلة حاضرة في مجالات متعددة؛ فوالده دكتور في التاريخ، وله عم شغل منصب نائب في البرلمان، إلى جانب رئاسته حزباً سياسياً، فيما يشغل عمه الثاني موقع رئيس جميعة الأدباء العراقيين، أما بقية أعمامه فهم محامون.
نشأ محمد منذ صغره في كنف عمه الأكبر، وهو ما أتاح له فرصة مبكرة للاختلاط بالشخصيات السياسية والتعرّف إلى هذا العالم عن قرب، بحكم النشاط السياسي لعمه. وقد أسهمت هذه البيئة في توسيع مداركه وإدخاله مبكراً إلى فضاءات النقاش السياسي والفكري.
وفي مرحلة مبكرة من حياته، درس محمد في الحوزة الدينية في النجف، وهي المدرسة التي تُعنى بتدريس العلوم الدينية وتخريج رجال الدين والمراجع. دخل الحوزة وهو في الرابعة عشرة من عمره، ودرس فيها الفقه وعلم الكلام واللسانيات والمنطق.
وعندما بلغ السادسة عشرة من عمره، بدأ النشر في الصحف العراقية، وكان أول مقال له بعنوان «ازدواجية رجال الدين». ومنذ ذلك الوقت واصل نشاطه في الكتابة والنشر والعمل الفكري، واستمر حضوره في الصحافة العراقية حتى عام 2015، حين غادر العراق متوجهاً إلى قطر.
أقام الكلابي في قطر لمدة سنتين، وخلال تلك الفترة درس الإعلام في معهد الجزيرة التابع لقناة الجزيرة، قبل أن ينتقل بعد ذلك إلى السويد، التي أصبحت مستقراً جديداً له، وواصل فيها مسيرته الأكاديمية والمهنية.
أكمل محمد دراسته في السويد، وحصل على شهادة البكالوريوس في التحليل النفسي، ثم حصل على درجة الماجستير في الفلسفة، وهو حالياً طالب دكتوراه.
وعلى المستوى المهني، عمل في الإذاعة السويدية، وتولى منصب رئيس القسم العربي فيها. كما عمل مستشاراً إعلامياً في السفارة العراقية في ستوكهولم.
وخلال إقامته في السويد، بدأ بالظهور في قنوات عراقية بصفته معارضاً للنظام السياسي في العراق. وعلى أثر ذلك، صدر قرار بمنعه من دخول العراق، كما تم حذف جميع لقاءاته من الإنترنت، وحُظر النشر له في العراق، وأُقيل من عمله في السفارة العراقية. كذلك وُجهت إليه اتهامات بأنه ملحد ويروّج للأفكار الغربية.
وفي عام 2024، غادر الكلابي السويد متوجهاً إلى ألمانيا، وبدأ العمل مع قناة التلفزيون العربي بصفته مديراً لدائرة العلاقات.
ويواصل محمد نشاطه في الصحف العربية والعراقية، وله عمود أسبوعي ثابت، كما يعمل حالياً في جريدة المستقل التي تصدر من لندن.
وعلى الرغم من حضوره في الصحافة العربية والعراقية، حرص الكلابي على تعزيز حضوره في الصحف السويدية، وركز عليه بصورة أكبر من الجانب العربي، مبرراً ذلك بأن السويد وفرت له المساحة الكاملة لطرح أفكاره والتعبير عنها.
أما على صعيد التأليف، فقد ألّف محمد كتابين.
صدر الكتاب الأول باللغة الإنجليزية، ويتناول موضوع «الاستلزام الدلالي والتفكيك: الجسر المفقود بين الاستدلالية التحليلية واللا-مرجعية التفكيكية».
أما مؤلفه الثاني، فقد صدر باللغة السويدية، وتناول فيه الفلسفة الغربية بين يقين ديكارت وشك هيوم.
ويمتاز محمد الكلابي بشبكة واسعة من العلاقات، كما يُعرف بهدوئه وبعده عن الاستعراض. فهو ليس من أولئك الذين يستعرضون نجاحاتهم أو يلهثون وراء الأضواء، بل يقدّم نفسه بوصفه مفكراً يمضي في تجربته بهدوء، ويمارس الحكمة في صمت.
وهكذا تبدو تجربة محمد الكلابي تجربة متعددة الأبعاد، تشكّلت في النجف، وتوسعت عبر الصحافة والدراسة الدينية والعمل الإعلامي، ثم امتدت إلى قطر والسويد وألمانيا، جامعةً بين الفكر والفلسفة والإعلام والعمل الصحفي، في مسار ظل فيه حاضراً بأفكاره ونشاطه، من دون أن يجعل من الضوء غايةً بحد ذاته.
