منصة ثقافية أدبية

بيروقراطية الموت / نهلة الدراجي


بتاريخ أغسطس 16, 2026 | في مقالات

المشاهدات : 5


           نهلة الدراجي

ليس هناك قسوة أشد على الإنسان من أن يرى عزيزا عليه  يتألم وهو يقف مكتوف اليدين لا تقتلهالفيروسات أو الخلايا الخبيثة بقدر ما يقتله الانتظار. في العراق لا تبدأ رحلة مريض السرطان مع الخبيثنفسه بل تبدأ مع (بيروقراطية الموت) التي تجعله معلقا بين السماء والأرض لأسابيع طويلة بانتظارنتيجة زرع نسيجي كان يفترض أن يحدد مصير حياته خلال أيام معدودة أو ساعات ..

أن ينتظر المريض من 15 إلى 20 يوما ليسمع خبر تشخيصه فهذا يعني عشرين يوماً من الاحتراق والنهشالنفسي والجسدي، تجعل المريض يحترق ببطء بين نيران الوجع و القلق والخوف من المجهول

وانتظار اهل المريض والعذاب النفسي، والأهم من ذلك منح الخلايا السرطانية مهلة إضافية للتفشيوالتغلغل في جسد لا يملك سوى المسكنات البدائية. كيف يمكن لقطاع صحي في بلد يمتلك كل هذهالثروات الهائلة أن يقف عاجزاً عن توفير تقنيات فحص حديثة تنهي هذه المأساة في ساعات أو أيامقليلة؟ أين الأجهزة المتطورة؟ وأين المختبرات التخصصية التي تستوعب حجم الأزمة؟

الواقع الصحي اليوم يعكس خللا واضحا و صريحا حيث أصبحت كرامة المواطن وحقه في الحياة آخرسلم الأولويات..

غياب التخطيط والتحديث بدلا من استيراد أحدث الأجهزة والمحاليل لتقليل زمن التشخيص، يتركزالضغط على أجهزة متهالكة ومختبرات حكومية معدودة تعاني النقص المستمر.

واما الطبقية المقيتة في العلاج فمن يملك المال يستطيع السفر أو اللجؤ خارج البلد للعلاج بسرعة،بينما يترك الفقير ليواجه مصيره في طوابير الانتظار الطويلة والمميتة وكأن الحق في الحياة أصبحمشروطا بمن يملك المال فقط……..

الروتين القاتل والإجراءات الإدارية المعقدة وبطء نقل العينات بين المحافظات تحول العملية الطبية منإنقاذ حياة إلى رحلة تعذيب للمريض وعائلته.

لماذا لا تكون حياة الإنسان العراقي في أولويات أصحاب القرار؟ لماذا تنفق المليارات على المشاريعالشكلية والصفقات المشبوهة، بينما لا تتوفر تقنيات حديثة تسرع التشخيص وتنقذ الأرواح؟ إلى متىيبقى المواطن العراقي حقل تجارب للأزمات، ينتظر دوره في الطوابير طابور الفقر، طابور الأمل المفقودووووو.. وأخيرا طابور النتيجة التي تأتي غالبا بعد فوات الأوان؟

إن هذا الواقع المزري لم يعد يحتمل الترقيع أو البيانات التبريرية. إن وضع الإنسان في أعلى سلمالأولويات ليس رفاهية، بل هو الفارق الوحيد بين دولة تحترم مواطنيها، وبين منظومة تتركهم لمواجهةأقسى الأمراض بصدور عارية وجيوب خاوية

إن أشد ما يؤلم في هذا الوطن ليس المرض نفسه فالمرض قدر من الله.. بل ذاك الشعور القاتل بأنكغريب في وطنك وأن دمك ورئتك وقلبك وجسدك لا قيمة لها….. أكتب هذه الكلمات ودمعي يسبقحبري على كل عين سهرت تنتظر فرجا وعلى كل جسد طري أكله السرطان وهو ينظر إلى الباب علالنتيجة تأتي.. ولكنها كالعادة تأخرت كثيراً.. كثيراً جداً.

أي حزن هذا الذي يستوطن ديارنا؟ وأي وجع أن يتمنى المرء فقط أن يعامل كإنسان في أضعف لحظاتحياته؟ سنظل نملأُ الأوراق بالسواد ونبكي أحبتنا الذين سرقهم الوقت قبل المرض متسائلين بدمع لايجف:

إلى متى يا عراقإلى متى يظل أبنائك مظلومين حتى في موتهم؟

              

الوسوم: