هدى زوين
تخوض المرأة في البلدان التي انهارت فيها معايير الأمان حرباً معقّدة ومستمرة، لا تقتصر على مواجهةالواقع الخارجي القاسي، بل تمتد إلى جبهات داخلية لا تقل شراسة. ففي ظل غياب الاستقرار، يتحوّلالإحساس بالخطر إلى حالة دائمة، وتصبح تفاصيل الحياة اليومية ساحة اختبار لقدرة المرأة علىالصمود النفسي قبل أي شيء آخر.
فعندما يغيب الأمان عن المحيط، لا يعود “الدفاع عن النفس” مجرد ردّ فعل، بل يتحوّل إلى عبء نفسييومي مستنزِف. وما إن تنتهي معركة الضغوط الخارجية، حتى تبدأ فوراً معارك أخرى: أزمات اقتصاديةخانقة، شحّ في الموارد، وتفكك في الروابط الاجتماعية، ما يدفع النفس إلى حالة متواصلة من التأهّبوالاستنفار.
في هذا السياق، يتعطّل نظام الطمأنينة الداخلي، لتحلّ مكانه حالة من الترقّب المستمر، أو ما يُعرفبـ«اليقظة المفرطة». هنا، ترغب المرأة في التقاط أنفاسها والشعور بلحظات من الهدوء، لكن عقلها—الواعي واللاواعي—يرفض التخلّي عن حالة الحذر، خوفاً من أي طارئ مفاجئ، سواء كان اقتصادياً أوصحياً أو أمنياً. ومع مرور الوقت، يتحوّل هذا الاستنفار إلى إرهاق حاد واستنزاف للطاقة، وتشتّت ذهنييجعل التفكير بالمستقبل أو التخطيط له أمراً بالغ الصعوبة.
ومع استمرار هذا الضغط، تجد المرأة نفسها تؤدي دور “الحاضنة النفسية” لمحيطها، حيث تمتصالقلق والخوف من الجميع دون أن تجد من يحتويها. وبين حاجتها الإنسانية للتعبير عن ضعفهاوانهيارها، وبين الضغط الاجتماعي الذي يفرض عليها أن تكون دائماً “القوة الصامتة“، تعيش صراعاًداخلياً مرهقاً. هذا التناقض يتركها في عزلة عاطفية عميقة، حتى وهي محاطة بالآخرين، ويجعلها عرضةللاحتراق النفسي الذي يتسلل بصمت.
ثم تتفاقم المعاناة مع تدهور الأوضاع الاقتصادية، حيث يتضاعف العبء وتصبح المرأة مسؤولة عنإدارة تفاصيل الحياة اليومية بأقل الإمكانيات. وبين رغبتها في توفير حياة كريمة لمن تحب، وواقع يقيّدخياراتها، تدخل في دائرة من التنازلات المستمرة. ومع هذا الضغط، يتسلل الشعور بالذنب دون مبرر،وتتراجع أولوياتها الشخصية، لتختزل الحياة في مفهوم “البقاء” بدلاً من العيش.
ومع تراكم هذه الأعباء، تبدأ المساحة الخاصة للمرأة بالتآكل، وتبهت ملامح هويتها تدريجياً. تعيشصراعاً بين “من تكون حقاً” بأحلامها وصوتها، وبين “ما يفرضه الواقع” من أدوار قسرية لا تترك لها مجالاًللاختيار. ومع الوقت، تخفت الأهداف، ويكبر الإحساس بالغربة عن الذات، وكأنها تعيش حياة لا تشبهها.
أمام هذه التحديات، قد لا يكون بالإمكان تغيير الواقع الخارجي بسهولة، لكن يمكن خلق مساحاتصغيرة للنجاة النفسية. يبدأ ذلك من إدراك حدود السيطرة، والفصل بين ما يمكن التحكم به—كالتفاصيل اليومية وطريقة التفكير—وما يتجاوز الإرادة. كما أن منح النفس فرصة للتفريغ، حتى بأبسطالوسائل كالكتابة أو الحديث مع شخص موثوق، يُعد خطوة ضرورية للحفاظ على التوازن الداخلي.
كذلك، يصبح من المهم إسقاط وهم “المرأة الخارقة“، والاعتراف بأن التعب والضعف ليسا عيباً، بلجزءاً طبيعياً من التجربة الإنسانية. فمحاولة الصمود المستمر دون استراحة ليست قوة، بل استنزافمؤجّل.
وفي المحصلة، ليست معركة المرأة في هذه البيئات معركة عابرة، بل اختبار يومي لقدرتها على التكيّفوالصمود في وجه ظروف قاسية. ومع ذلك، فإن تسمية هذه الصراعات وفهمها هو بحد ذاته فعلمقاومة، ومحاولة لاستعادة جزء من الذات وسط عالم يتآكل فيه الأمان.
فالمرأة لا تحتاج أن تكون خارقة… بل أن تُمنح الحق في أن تكون إنسانة.
