منصة ثقافية أدبية

بين رسائل التاريخ وخفايا السياسة


بتاريخ يوليو 21, 2026 | في اراء حرة

المشاهدات : 6


التغريدة الإيرانية وخرائط النفوذ المؤجل في العراق ..

بقلم / دعاء هزاع الجابري ـ اليمن

في السياسة ، لا تكتب الكلمات على منصات التواصل بوصفها عبارات عابرة ، ولا تنشر البيانات الرسمية باعتبارها مجرد تأملات تاريخية ، فالدول حين تتحدث في لحظات التحول الكبرى تخفي داخل جملها القصيرة خرائط كاملة من المصالح والهواجس والرسائل المشفرة ، ومن هذا المنطلق جاءت تغريدة القنصلية الإيرانية التي أكدت أن ” العلاقات بين إيران والعراق تمتد إلى عصور سبقت معرفة الإنسان بالكتابة ، ولا توجد دولة تستطيع أن تنافس إيران في قربها من العراق ” ، متزامنة مع زيارة رئيس الوزراء العراقي إلى واشنطن ، لتبدو أقرب إلى إعلان سياسي مكتوب بلغة التاريخ منها إلى استذكار بريء للماضي

فإيران وهي تراقب اللقاءات العراقية الأمريكية وما تحمله من تفاهمات أمنية واقتصادية واستراتيجية ، لم تكن في حاجة إلى خطاب صدامي مباشر بل اختارت أن تستدعي التاريخ بوصفه السلاح الأكثر هدوءا والأشد تأثيرا ، إنها محاولة لتثبيت حقيقة تريد طهران ترسيخها في الوعي السياسي العراقي والأمريكي معا وهي : أن العراق في نظرها ليس مجرد جار جغرافي يمكن إعادة تعريف علاقته وفق تبدلات المصالح الدولية ، بل فضاء متداخل مع سياساتها ونفوذها ونسيجها الاجتماعي والديني والثقافي ، ومن الجانب العراقي تحمل التغريدة رسالة واضحة مفادها أن إيران ترى نفسها جزءا من المعادلة الداخلية العراقية ، وأن حضورها لا يقتصر على الاتفاقيات العابرة أو التحالفات المؤقتة بل يمتد إلى طبقات أعمق من التاريخ والجغرافيا والاقتصاد ، إنها تقول للنخب العراقية : إن أي محاولة لبناء توازنات جديدة مع القوى الدولية لا يمكن أن تتم بمعزل عن حقيقة النفوذ الإيراني المتجذر في بنية الدولة والمجتمع

أما الرسالة الأهم فتتجه نحو واشنطن ، فالتغريدة في توقيتها ودلالاتها تبدو وكأنها رد استباقي على ما حملته لقاءات البيت الأبيض من إشارات ضمنية تتعلق بإعادة ترتيب المشهد العراقي والإقليمي ، حيث أرادت طهران أن تقول للإدارة الأمريكية إن إيران ليست تفصيلا يمكن تجاوزه ، وليست ورقة قابلة للحذف من معادلات الشرق الأوسط ، بل إنها عنصر أصيل في التوازن العراقي ، وأن النظر إلى العراق بوصفه ساحة يمكن فصلها عن التأثير الإيراني ليس سوى وهم سياسي يتجاهل تعقيدات الجغرافيا والتاريخ ، ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أن هذه الرسالة لا تعكس بالضرورة خوفا إيرانيا من تفاهمات ” أمريكية ـ عراقية ” بقدر ما تعكس إدراكا عميقا بأن المنطقة كلها تدخل مرحلة جديدة من إعادة توزيع النفوذ ، فالاتفاقات والتحركات المتبادلة بين ” واشنطن وطهران ” سواء أكانت معلنة أم غير معلنة ، لا تهدف بالضرورة إلى سحب البساط من طرف لصالح آخر وإنما إلى إعادة تشكيل الخليج والشرق الأوسط وفق توازنات جديدة تفرضها التحولات الدولية الكبرى والاتفاقات المبرمة بين الجانبين من وراء الستار

لذلك تقرأ التغريدة الإيرانية هنا بوصفها تحذيرا دبلوماسيا هادئا أكثر منها موقفا إعلاميا عابرا ، تحذيرا يقول : إن أي هندسة سياسية جديدة للعراق أو للمنطقة لا يمكن أن تتجاهل موقع إيران ومصالحها ، وإن الرسائل التي وجهها الرئيس الأمريكي خلال لقائه برئيس الوزراء العراقي بشأن الملف الإيراني لم تمر من دون قراءة دقيقة في طهران ، لتقف بغداد بذلك مرة أخرى في قلب المعادلة القديمة الجديدة وهي ” مدينة تتنازعها الذاكرة والجغرافيا والمصالح ، فيما تتبادل القوى الكبرى رسائلها فوق أرضها ” ، فالعراق فإنه دائما ما يجد نفسه أمام سؤال يتكرر مع كل منعطف تاريخي وهو : هل يستطيع أن يتحول من ساحة تتصارع فوقها الإرادات إلى دولة تصنع بنفسها حدود نفوذ الآخرين ؟ ، ففي الشرق الأوسط لا تقال الرسائل دائما بصوت مرتفع ، بل أحيانا تكفي تغريدة واحدة كي تكشف حجم الصراع الدائر خلف الأبواب المغلقة .

الوسوم: