منصة ثقافية أدبية

د. كاظم المقدادي.. رائد الإعلام والصحافة الأكاديمية في العراق


بتاريخ يوليو 17, 2026 | في اراء حرة

المشاهدات : 5


من أعلام العراق

ومن بين أعلام العراق الذين اقترنت أسماؤهم بالصحافة والإعلام الأكاديمي، يتصدر اسم الدكتور كاظم شنون محمد المقدادي قائمة الرواد الذين جمعوا بين الفكر والممارسة، وبين البحث العلمي والعمل الصحفي، فأسهم في تأسيس وتطوير الدراسات الإعلامية، وأثرى المكتبة العربية بمؤلفات ودراسات أصبحت مراجع مهمة للباحثين، كما خرّج أجيالاً من الإعلاميين والأكاديميين الذين حملوا رسالته العلمية والمهنية. ولم يكن حضوره محصوراً في قاعات الجامعات أو صفحات الصحف، بل امتد إلى المحافل العربية والدولية، ليقدم صورة مشرقة عن الإعلامي العراقي المثقف، وليغدو اسمه واحداً من الأسماء التي تستحق أن تُسجل في سجل أعلام العراق الذين أسهموا في صناعة المعرفة وخدمة الثقافة والإعلام

 قتيبة الحميد

يشكل الدكتور كاظم المقدادي واحداً من أبرز الأسماء التي أسهمت في ترسيخ الإعلام الأكاديمي فيالعراق، وترك بصمة واضحة في تاريخ الصحافة العراقية والعربية، من خلال مسيرة علمية ومهنية امتدتلأكثر من نصف قرن، جمع خلالها بين العمل الصحفي والبحث الأكاديمي والتدريس الجامعي والتأليف،ليصبح نموذجاً للمثقف الموسوعي الذي آمن بأن الإعلام رسالة معرفية قبل أن يكون مهنة، وأن الجامعةهي الحاضنة الحقيقية لبناء الأجيال وصناعة الوعي.

ولد الدكتور

المقدادي في بغداد سنة 1949 في محلة الرحمانية بمنطقة الجعيفر، ونشأ في العطيفية الأولى بجانبالكرخ، حيث تلقى تعليمه الأول، قبل أن يكمل دراسته الثانوية في الثانوية المركزية بجانب الرصافة. وقدظهرت ميوله الصحفية مبكراً، فأنشأ النشرة الجداريةالأنوارفي متوسطة العطيفية، ثم نشر أولموضوع صحفي له في جريدةالتآخيالعراقية عام 1967، لتكون تلك البداية باكورة مسيرة طويلة معالكلمة والإعلام.

التحق بقسم الصحافة في كلية الآداب بجامعة بغداد، وحصل على شهادة البكالوريوس في الصحافةللعام الدراسي 1973-1974، ثم شد الرحال إلى فرنسا لاستكمال دراساته العليا في جامعة السوربون،فنال شهادة الكفاءة عام 1975، ثم درجة الماجستير عام 1977 عن رسالته الموسومة «الجانبالسوسيولوجي من الإعلان السياحي»، قبل أن يحصل على درجة الدكتوراه عام 1979 عن أطروحته«التيارات الفكرية في الصحافة العربية المهاجرةالنصف الثاني من القرن التاسع عشر»، وهي دراسةعلمية رائدة تناولت جذور الفكر الصحفي العربي في المهجر وتحولاته الفكرية.

ومنذ عودته إلى العراق، انطلقت مسيرته الأكاديمية التي اتسمت بالغنى والتنوع، إذ حاضر في مادةالمحادثة بقسم اللغة الفرنسية في كلية اللغات بجامعة بغداد للفترة (1988-1990)، كما حاضر فيمادة العلاقات العامة بقسم الفندقة والسياحة في الجامعة المستنصرية خلال المدة نفسها، ثم انتقلإلى جامعة البتراء الأردنية ليدرس العلاقات العامة بين عامي (1999-2001). وعمل مدرساً في قسمالصحافة بكلية الآداب في جامعة بغداد منذ عام 1990، حيث تولى تدريس مواد التحرير الصحفي،وتاريخ الصحافة العراقية، وقانون الإعلام، وأخلاقيات العمل الإعلامي، والعلاقات العامة، والإعلام الدولي. كما شغل منصب رئيس اللجنة العلمية في كلية الإعلام بجامعة بغداد عام 2011، ودرّس مناهج الاتصالفي كلية الفارابي الأهلية للفترة (2014-2018)، وكان من مؤسسي كلية الفارابي الأهلية وقسم الإعلامفيها، فضلاً عن إشرافه على عشرات رسائل الماجستير وأطاريح الدكتوراه، وإسهامه في إعداد أجيال منالإعلاميين والباحثين الذين أسهموا لاحقاً في تطوير المؤسسات الإعلامية والأكاديمية العراقية.

ولم يكن حضوره مقتصراً على قاعات الدراسة، بل امتد إلى ميادين الصحافة والعمل الإعلامي، فقد عملسكرتيراً لجريدةالصحافةالجامعية في قسم الإعلام عام 1971، ثم أصبح رئيساً لتحريرها عام 2008،كما تولى رئاسة تحرير مجلة «رسالة بغداد» الصادرة باللغة الفرنسية في باريس للفترة (1982-1986)،وهي تجربة متميزة أسهمت في التعريف بالعراق ثقافياً وإعلامياً لدى القارئ الفرنسي، كما شغل منصبرئيس تحرير وصاحب امتياز جريدة «الكاروك» الساخرة للفترة (2007-2009)، ورئاسة تحرير مجلة«معين» للدراسات المستقبلية بين عامي (2012-2016). وإلى جانب ذلك، قدم برامج إعلامية عدة، منبينها «صاحب الامتياز» عام 2009، و**«المنجز»** عام 2013، و**«الرازونة»** عام 2015، فضلاً عنكتاباته المنتظمة في الصحف العراقية والعربية، ومشاركاته المستمرة في البرامج الحوارية والثقافيةوالسياسية التي بثتها القنوات الفضائية المحلية والعربية والدولية.

وتعززت مكانته المهنية من خلال عضويته في عدد من المؤسسات الإعلامية والعلمية، إذ أصبح عضواً فيجمعية الصحفيين الأجانب في باريس، وعضواً في نقابة الصحفيين العراقيين منذ عام 1974، وعضواً فياتحاد الصحفيين العرب منذ عام 1984، كما انضم إلى رابطة الاتصال والبحث العلمي في بيروت عام2020، واختير ممثلاً للجنة الحوار العربي الأوروبي في إسطنبول عام 2017، وهي مواقع أكدت حضورهالفاعل في المحافل الإعلامية والثقافية العربية والدولية.

وإلى جانب نشاطه المهني والأكاديمي، ترك الدكتور المقدادي إرثاً علمياً وفكرياً مهماً تمثل في عدد كبيرمن المؤلفات التي تناولت الإعلام والاتصال والصحافة وقضايا الفكر والثقافة، ومن أبرزها: «أوراقباريسية» (دار العالم العربيباريس، 1983)، و**«البحث عن حرية التعبير»** (باريس، 1984)،و**«إشكالية الإعلام العربي في أوروبا»** (دار الشؤون الثقافيةبغداد، 1986)، و**«التيارات السياسيةفي الصحافة العراقية»** (1998)، و**«مقالات مفخخة»** (2006)، و**«ديمقراطية الفرجة»** (2008)، و**«الصحافة الاستقصائية»** بالمشاركة مع الدكتور فراس الياس (2012)، و**«تصدعالسلطة الرابعة»** (عمّان، 2013)، و**«جدل الاتصال.. استقراء الزمن الحقيقي»** الذي صدر فيبغداد عام 2020، ثم أعيد طبعه في دار روافد المصرية عام 2022، ودار خواطر في إسطنبول عام 2023،إضافة إلى كتاب «السلطانة إسطنبول» الصادر عن دار گلگامش ودار الشؤون الثقافية عام 2023، ثم«الكتابة على جذع نخلة» (2024)، و**«حفريات بقلم الرصاص»** (2025)، و**«تجربتي بأقلامالآخرين»** (2026)، كما صدرت عنه دراسة تحليلية بعنوان «روح المقالة» عام 2026 تناولت تجربتهالصحفية والفكرية بالدراسة والتحليل.

وقد حظي هذا العطاء العلمي والإعلامي بتقدير واسع، إذ نال شهادة تقديرية ودرع أفضل شخصيةإعلامية وأكاديمية من مؤسسة عيون عام 2012، إلى جانب عشرات الدروع من الجامعات الرسميةوالأهلية العراقية، والمئات من كتب الشكر وشهادات التقدير والأوسمة التي كرّمت جهوده في خدمةالإعلام والتعليم العالي. كما يتمتع بعلاقات ثقافية وعلمية واسعة مع شخصيات ومؤسسات عربيةوأجنبية، ويتقن اللغتين الفرنسية والإنجليزية، وكانت له لقاءات وحوارات مع شخصيات فكرية وسياسيةبارزة، من بينها الرئيس الفرنسي جاك شيراك، والمفكر الفرنسي روجيه غارودي، والمفكر العربي محمدأركون، الأمر الذي أسهم في توسيع آفاق الحوار الثقافي والإعلامي بين العراق والعالم.

وإذا كان لكل مرحلة من مراحل الإعلام العراقي روادها الذين أسهموا في تأسيسها وتطويرها، فإن الدكتوركاظم المقدادي يمثل واحداً من أبرز هؤلاء الرواد، بما قدمه من نتاج علمي ومهني، وبما تركه من أثر فيالمؤسسات الأكاديمية والصحفية، وبما خرّجه من أجيال حملت رسالته في الدفاع عن الإعلام المهنيالرصين والبحث العلمي الجاد. وستبقى سيرته واحدة من الصفحات المضيئة في تاريخ الإعلام العراقي،وشاهداً على تجربة استثنائية جمعت بين المعرفة والإبداع والالتزام، وأسهمت في بناء مدرسة أكاديميةوإعلامية ما زالت آثارها حاضرة في الجامعات والمؤسسات الإعلامية داخل العراق وخارجه.

الوسوم: