منصة ثقافية أدبية

دراسة شاملة في كيفية اللغف من أموال الوقف


بتاريخ يوليو 1, 2026 | في اراء حرة

المشاهدات : 70


.د..هاشم ذياب الجنابي

في بلدي العراق تحظى أموال الأوقاف الدينية في العراق سواء التابعة لديوان الوقف السني أو ديوان الوقف الشيعي بمكانة خاصة من الناحية الرمزية والقانونية فهذه الأموال والعقارات والأراضي جرىى تخصيصها من قبل واقفيها لخدمة الصالح العام ورعاية الفقراء وصيانة دور العبادة ومع ذلك تشير التقارير الرقابية والصحفية المستقلة إلى أن هذا القطاع الضخم لم يسلم من ظاهرة الفساد الإداري والمالي التي ضربت مؤسسات الدولة بعد عام 2003 حيث تحولت بعض هذه الأصول والواردات إلى مطمع لجهات وشبكات مصالح متعددة

وتتعدد الأساليب التي يتم من خلالها استغلال أموال الأوقاف وتمرير صفقات غير قانونية وتتشابه هذه الآليات إلى حد كبير بين دواوين الأوقاف المختلفة نتيجة لغياب الشفافية المطلقة وضعف أدوات الرقابة الصارمة ومن أبرزها عقود الاستثمار والمساطحة المجحفة التي تعد من أهم النوافذ التي تهدر من خلالها أصول الأوقاف ويتم ذلك عبر تأجير أو منح أراض وعقارات وقفية بمواقع استراتيجية وتجارية مهمة لمستثمرين أو جهات نافذة بأسعار بخسة جدا لا تتماشى مع القيمة السوقية الحقيقية ولفترات زمنية طويلة جدا مما يحرم صناديق الأوقاف من موارد مالية هائلة يضاف إلى ذلك المشتريات الاستثمارية المشبوهة حيث شهدت السنوات الماضية إثارة قضايا فساد كبرى تتعلق بقيام دواوين أوقاف بشراء عقارات مثل الفنادق أو المجمعات السكنية بأموال الوقف بأسعار مضخمة جدا تفوق قيمتها الواقعية لتبين التحقيقات اللاحقة وجود عمولات وشبهات غسيل أموال خلف تلك الصفقات

كما يلعب تداخل النفوذ السياسي والحزبي دورا كبيرا إذ تخضع إدارة دواوين الأوقاف في العراق لنظام المحاصصة الأمر الذي جعل بعض مفاصلها الاستثمارية والمالية عرضة لنفوذ كيانات سياسية أو فصائلية تستخدم عقارات الوقف وأمواله لتمويل أنشطتها أو لتعيين وتوظيف الأنصار والمحاسيب دون وجود حاجة فعلية أو كفاءة ويرافق ذلك ثغرات التوثيق وحسم الملكية حيث يعاني ملف الأوقاف في العراق من عدم حسم عائدية وتوثيق آلاف العقارات والأراضي بشكل قانوني نهائي خاصة مع وجود نزاعات قديمة ومستمرة حول تبعية بعض الأوقاف بين الديوانين السني والشيعي وهذا التداخل والغموض القانوني يخلق بيئة مثالية للشركات والمستثمرين المتنفذين للاستحواذ على الأراضي وتغيير طابعها دون مساءلة حقيقية

إن تراجع المردود التنموي للأوقاف نتيجة هذه الممارسات ينعكس مباشرة على الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع العراقي فالأصل في هذه الأموال أن تذهب لدعم التعليم الديني الإنساني وبناء المستشفيات الخيرية وإعانة الأيتام والأسر المتعففة وحين تسلب هذه الموارد تفقد المجتمعات المحلية شبكة أمان اجتماعي واقتصادي مهمة فضلا عن الاهتزاز الكبير في ثقة المواطن بالمؤسسات التي تحمل طابعا دينيا وشرعيا

ولمواجهة هذه الظاهرة وحماية ما تبقى من أصول الوقف يتطلب الأمر حزمة إجراءات قانونية وتنفيذية حازمة تبدأ من أتمتة الأصول وحصرها عبر إنشاء قاعدة بيانات رقمية شاملة وعلنية لجميع العقارات والأراضي الوقفية في العراق توضح تفاصيلها والجهة المستأجرة لها وقيمة العقد وكذلك إخضاع العقود لرقابة مستقلة وتفعيل دور ديوان الرقابة المالية الاتحادي وهيئة النزاهة بشكل مباشر ومستقل على جميع عقود الاستثمار والمشتريات التي تبرمها دواوين الأوقاف وإلغاء أي عقد يثبت غبنه لأموال الوقف وصولا إلى إبعاد الأوقاف عن المحاصصة وإدارة الجوانب الاستثمارية والمالية للأوقاف عبر لجان من خبراء الاقتصاد والقانون المشهود لهم بالنزاهة بعيدا عن التعيينات والموازنات السياسية إن استرداد أموال الأوقاف وحمايتها ليس مجرد مطلب قانوني أو إداري بل هو واجب أخلاقي وشرعي يرتبط بحقوق ملايين العراقيين الذين حرموا من منافع ثروات جرى تخصيصها أساسا لمنفعتهم العامة

الوسوم: