فاروق الرماحي
حرب الخليج في سياقها الحالي لا يمكن قراءتها بمنطق الرابح والخاسر لأن نتائجها لا تستقر عند طرفواحد بل تتوزع على مستويات متعددة تجعل الكلفة أوسع من أي مكسب محتمل
دول الخليج التي سعت خلال العقود الماضية إلى بناء نموذج قائم على الاستقرار الاقتصادي وجدتنفسها أمام تهديد أمني مباشر حيث تحولت الهجمات بالصواريخ والمسيرات إلى عامل ضغط يومي وفيالإمارات العربية المتحدة التي كانت تقدم نموذجًا للتوازن بين الأمن والانفتاح الاقتصادي أصبحت البنيةالتحتية نفسها هدفًا وهو ما يطرح سؤالًا حول قدرة هذا النموذج على الاستمرار في بيئة إقليمية متوترة .
يمثل إغلاق مضيق هرمز تهديدًا استراتيجيًا مباشرًا لدول تعتمد عليه في تصدير الطاقة مثل العراقوالكويت وقطر وقد انعكس التعطيل بالفعل على إيرادات هذه الدول وأربك استقرار أسواق الطاقةالعالمي
في الولايات المتحدة تظهر الكلفة بشكل غير مباشر من خلال ارتفاع أسعار الطاقة وزيادة معدلاتالتضخم وهو ما ينعكس على المستهلك وعلى تكلفة النقل والإنتاج بما يؤكد أن تأثير الحرب لا يبقىمحصورًا في جغرافيتها
أما في إيران فإن التأثير أكثر عمقًا بسبب تداخل الحرب مع عقوبات اقتصادية ممتدة وهو ما أدى إلىتراجع في الأداء الاقتصادي وارتفاع معدلات البطالة وزيادة الضغوط الاجتماعية
وفي لبنان يتداخل الصراع الإقليمي مع أزمة داخلية مزمنة حيث يبقى التوتر بين حزب الله وإسرائيلعامل عدم استقرار دائم ينعكس على الوضع الاقتصادي والاجتماعي
الاقتصاد العالمي بدوره يتأثر من خلال اضطراب أسواق الطاقة وارتفاع الأسعار وهو ما ينعكس علىالمستهلكين في مختلف الدول ويؤدي إلى تباطؤ في النمو الاقتصادي
في المقابل هناك أطراف استفادت نسبيًا من هذه الحرب حيث عززت الصين موقعها من خلال تنويعمصادر الطاقة وزيادة مخزوناتها الاستراتيجية مستفيدة من انشغال الولايات المتحدة في الشرق الأوسطكما استفادت روسيا من ارتفاع أسعار النفط والغاز ما أدى إلى زيادة عائداتها رغم العقوبات
لكن هذه الاستفادة تبقى محدودة ومؤقتة لأن استمرار التوتر يخلق بيئة غير مستقرة قد تؤثر على هذهالمكاسب في أي وقت
في هذه الحرب لا تُقاس النتائج بمن بقي واقفًا بل بمن خسر أقل قليلًا فحتى من بدا رابحًا كان يدفعالثمن بصيغة أخرى لأن الحروب لا تصنع منتصرين بل تؤجل هزائمهم ويبقى الإنسان وحده يدفعالفاتورة كاملة دون أن يُذكر اسمه في بيان النصر الأخير .
