حسين العظماوي / العراق
يواجه العراق مرحلة سياسية واقتصادية مهمة، ومع تكليف السيد علي الزيدي بتشكيل الحكومة الجديدة، بعد مخاض عسير من المفاوضات بين القوى السياسية المنضوية ضمن تحالف الإطار التنسيقي، والتنافس الشرس بين رئيس تحالف الاعمار والتنمية السيد محمد شياع السوداني ورئيس تحالف دولة القانون السيد نوري المالكي، وفشل الاثنين في الحصول على اجماع داخل تحالف الاطار التنسيقي ممثل الشيعية السياسية، والقبول الدولي من القوى الخارجية ذات التأثير على العملية السياسية في العراق، لذا فكان تأليف السيد الزيدي كمرشح تسوية من قبل القوى السياسية، يأتي هذا التكليف في ظل ظروف إقليمية ودولية معقدة، وتحديات داخلية جسيمة تلقي بظلالها على مستقبل البلاد….
من هو علي الزيدي ؟
شكل تكليف السيد علي الزيدي مفاجأة للأوساط السياسية في العراق، كونه شخصية غير معروفة بشكل واسع في العملية السياسية، لأنه لم يشغل مناصب سياسية بارزة أو يكون قيادياً أو عضواً في أحد الاحزاب السياسية المتنفذة، فالزيدي هو واجهة اقتصادية ورجل أعمال مقرب من بعض زعامات الصف الأول للنخبة السياسية العراقية، إذ يمتلك الزيدي (شركة الأويس للصناعات الغذائية)، والتي ارتبط اسمها بعقود حكومية مهمة، أبرزها تجهيز البطاقة التموينية وإطعام الجيش العراقي، علماً أن هذه العقود تقدر بمليارات كما شغل الزيدي منصب رئيس مجلس إدارة مصرف الجنوب الإسلامي وهو أحد البنوك التي أدرجت على لائحة العقوبات الأمريكية، ومنع من التعامل بالدولار من قبل البنك المركزي العراقي ، كما تشير بعض المصادر إلى تورط المصرف في تهريب الدولار إلى إيران وغسيل الأموال للحرس الثوري الإيراني، ورغم هذه العقوبات، يبدو أن المسؤولين الأمريكيين قد يقبلون تكليف الزيدي … الذي يواجه جملة من التحديات، أهمها:
أولاً: التحديات الخارجية: توازنات إقليمية ودولية معقدة
يواجه الزيدي تحديات خارجية تتمثل في كيفية تكييف العراق مع التطورات الإقليمية الحالية، خاصة في ظل الضغوط الأمريكية المتزايدة بشأن حصر السلاح بيد الدولة ومعالجة ملف الفصائل المسلحة وإعادة هيكلة الحشد الشعبي، كما أن هناك ضغوط مالية أمريكية قد تفرض على العراق
في ذات السياق، يواجه الزيدي تحدياً في كيفية إعادة العراق للاندماج في محيطه العربي والخليجي، خاصة وأن هناك وجهة نظر خليجية ترى أن العراق أصبح في السنوات الاخيرة أكثر تأثراً وميالاً للموقف السياسي الإيراني، يأتي هذا التحدي في ظل تزايد التدخلات الخليجية في الشأن السياسي العراقي ودعمهم لشخصيات سياسية، وتدخلهم شبه المباشر في الوساطة العراقية – الأمريكية …
من جهة أخرى، من المفترض على السيد الزيدي إدارة العلاقات مع إيران، بطريقة تعزز المصالح المشتركة بين البلدين، وغير مستفزة الولايات المتحدة، لأنه العلاقة مع ايران مهمة للعراق خصوصاً وأن ايران واحده من أهم الدول الاقليمية الفاعلة في المنطقة كما أن هناك مصالح اقتصادية ومشتركات اجتماعية وثقافية بينها وبين العراق، إضافة للنفوذ الايراني الواضح في العراق، خصوصاً في ظل وجهة نظر إيرانية تعتبر العراق مجالها الحيوي وآخر قلاع محور المقاومة الذي تعرض لضربات موجعة بعد السابع من أكتوبر 2023 …. لذا فأن إدارة هذه التوازنات الدولية والاقليمية هي أصعب ما يواجه الحكومة القادمة
ثانياً: التحديات الداخلية: تشكيل الحكومة والأزمة الاقتصادية
داخلياً، يواجه الزيدي تحديين رئيسيين، هما:
1- تشكيل كابينة وزارية منسجمة: تتمثل المسألة الأولى في كيفية اختيار كابينة وزارية منسجمة معه ومرضية للقوى السياسية، هذا التحدي واجهه جميع رؤساء الوزراء السابقين، ولم ينجح الكثير منهم في تشكيل حكومة متجانسة، وحتى من تم التصويت على كابينه لم يكن مجلس الوزراء منسجماً تماماً، مع عدم استطاعة رئيس مجلس الوزراء تغيير أي وزير بحكم التوافق السياسي وعدم الحصول على أغلبية برلمانية، وبأعتقادي إن الزيدي يدرك جيداً حجم هذا التحدي كونه من اليوم الأول لتكليفه قام بعدد من الزيارات لأغلب القادة السياسيين شيعة وكرداً وسنةً
2- الأزمة الاقتصادية والديون: التحدي الأهم والأكثر خطورة هو التحدي الاقتصادي والديون المتراكمة على عاتق الحكومة العراقية، فالاقتصاد العراقي اليوم أشبه بأن يوصف بأنه على حافة الهاوية في ظل الاعتماد الكبير على الريع النفطي وتضخم أعداد موظفي القطاع العام، إذ يتوقع أن يصل دين الحكومة العراقية إلى الناتج المحلي الإجمالي حوالي 57.00% في عام 2026 ، كما وقد بلغ الدين الداخلي للعراق 91 تريليون دينار عراقي، والدين الخارجي 54 مليار دولار أمريكي في أكتوبر 2025، كما تشير تقديرات أخرى إلى أن الدين العام الخارجي للعراق يبلغ 13 مليار دولار فقط، بينما ارتفع الدين العام الداخلي المتراكم ليبلغ نحو 89 تريليون دينار… هذا ما يجعل المسألة الاقتصادية التحدي الأبرز
3-التيار الصدري، والشروط التي طرحها الصدر في تغريدته، تضع الحكومة أمام تحدٍ سياسي يتمثل بعدم استفزازه أو تجاهل رسائله، خصوصاً أنه لوّح مبكراً بورقة الشارع وحدد مدة تسعين يوماً، في إشارة إلى أن الصبر السياسي له حدود. الصدر يدرك حجم تأثيره الجماهيري، لذلك يحاول الضغط باتجاه إصلاحات تتعلق بأداء الحكومة وهيبة الدولة وضبط السلاح، مع التأكيد على أن أي فشل أو تسويف قد يدفع نحو تصعيد شعبي وسياسي، وهو ما يجعل الحكومة مطالبة بالتعامل بحذر وتوازن مع مواقفه في ظل التعقيدات الداخلية والإقليمية الحالية…
أخيراً… كان الملفت للنظر هو مباركة البعثة الأمريكية ثم الرئيس الامريكي دونالد ترامب والمبعوث الامريكي توم براك لتكليف الزيدي، إضافة إلى مباركات أوروبية وخليجية وتركية وباكستانية، كل هذه المباركات كانت قبل المباركة الايرانية التي جاءت متأخرة نسبياً…
هذه المباركات تشير إلى أن الزيدي ليس مجرد مرشح للمماطلة وإضاعة الوقت، بل أنه عمل على مسألة توليه المنصب، ويقال في الأوساط السياسية أنه فتح خطاً للتواصل مع الولايات المتحدة بشكل غير مباشر عبر وساطة أحد الدول الخليجية، هذا الأمر قد يشكل أشبه بالمفاجئة لبعض الفاعليين السياسين
في الختام أرى أن نجاح الحكومة العراقية المقبلة سواء مضى الزيدي كما هو متوقع أم لم يمضي، يرتبط بالالتزام بالدستور وتحقيق توافق برلماني، والعمل على إصلاحات بنيوية في النظام السياسي، ودعم تشريعات مهمة ومتكيفه مع التطورات المعاصرة، وادارك للقوى السياسية في مقدمتها الاطار التنسيقي لحجم هذه المرحلة والضغوط الخارجية فيها خصوصاً وأن هناك تعويل على خلفية علي الزيدي الاقتصادية لإصلاح الوضع
ومع ذلك، يبقى الوضع ضبابياً إلى حد ما، وهناك تحديات كبرى لهذه الحكومة، وقد تكون مسؤولية توليها مجازفة في ظل هذه الظروف…
