مواويل جنوبية
# عبد السادة البصري
الأربعاء المنصرم لم يكن يوماً عادياً عند العراقيين أبداً، بل يوم عراقي خالص من الشوائب جداً، ومنذساعاته الأولى أثبتوا للعالم أجمع أن العراق يسكن قلوب أبنائه، حيث كانت الخريطة الاجتماعية عراقيةخالصة ( ميّة بالميّة ) لا طوائف ولا أديان ولا مذاهب ولا أحزاب ولا أي شيء، القلوب كلّها تنبض عراقياًمع كل دقيقة في ملعب المكسيك، وما أن انطلقت صافرة الحكم معلنةً انتهاء المباراة حتى امتلأتالشوارع، بل غصّت بكل فئات العراقيين على اختلاف أعمارهم وصفاتهم ومشاربهم وبحالة هستيرية لامثيل لها من الفرح، كنت لحظتها لا اعرف ما افعل وانا أشاهد الجموع المنطلقة ( ابكي، اصفّق، ارقص،واصرخ :ــ يا ناس هذا العراق ) إنها لحظات لن تنسى أبداً !!
نعم.. هذا العراق، لن يستطيع أي لاعب سيرك سياسي أن يغيّر من عشق العراقيين لوطنهم، مهمااختلفوا ذات لحظات نحس شيطاني، تراهم يعودون متوحدين في لحظة صدقٍ لا مثيل لها!!
والدليل صباح الأربعاء الماضي حين اشتعلت كل شوارع ومدن وقرى العراق من جنوبه الى شماله ومنغربه الى شرقه بالهتافات والفرح الذي ارتسم علماً عراقياً خالصاً من كل درن ولون وخيط غريب !!
العراقيون نسوا كل شيء أمام انتصارهم الكروي وتأهّل منتخبهم الى المونديال للمرة الثانية بعد أربعينعاماً من الترقّب والتأمّل والأمنيات!!
أربعون عاماً تخللتها حروب وحصار أكل الأخضر واليابس وخراب وفساد أوقف كل شيء جميل علىجانب، وتشرذم وطائفية ومحسوبية وولاءات مختلفة لم يعرفها العراقيون الحقيقيون أبداً، بل صنعهاسياسيو الصدفة الذي نهبوا كل شيء وتركوا البلاد ترزح تحت نير الخراب والأزمات والدماء المسفوكةظلماً، لكنّهم ــ اقصد العراقيين ــ وفي لحظة أعادوا العراقية الحقيقية بكل معاني الغيرة والعزّةوالشهامة والانتماء للوطن والناس لتنطلق بهتافٍ (دماؤنا فداك يا عراق)، وترسم للعالم أجمع أنالعراقيين لم ولن تفرّقهم كل الخزعبلات والألاعيب السياسية المقيتة !!
صباح الأربعاء كان غير كل الصباحات رغم الألم رقص العراقيون فرحين بفوز منتخبهم، وبرهنوا للآخرينالذين يراهنون على تفرقتهم أنهم لن يتفرقوا أبداً وان جار الزمان عليهم، فدجلة والفرات اللذان سقياالأرض منذ آلاف السنين وهما يسران بخطّين متعرجين من المنبع يلتقيان ويتعانقان في نقطة جنوبيةعند القرنة ليشكّلا جسداً واحداً هو شط العرب، وهكذا العراقيون بأطيافهم القومية ومذاهبهم الدينيةوفئاتهم الحزبية مهما تباينت واختلفت دروبهم تراهم يلتقون ويتعانقون ويشكّلون جسداً واحدا هوالعراق إذا اشتكى منه عضوٌ تداعت له الأعضاء كلّها بالسهر والتغلّب على الحزن وصنع الفرح!!
لهذا أقول لكلّ مَنْ يفكّر باللعب على تفرقة العراقيين باختلاق الحكايات وزرع الفتن والطائفية أن يقفويتأمل قليلاً ما جرى صباح الأربعاء ليعود الى عقله ويحاسب نفسه التي شطّت قليلاً عن الدرب الحقيقيويقول :ــ لماذا لا أكون مثل هؤلاء فقط ؟!
سؤال بريء جداً يعيدك الى المسار الحقيقي فمن شرب من ماء دجلة والفرات لن يتغيّر ابداً مهما شطّتبه الدروب والمسارات ذات يوم في لحظة تراه يعيد حساباته ان كان صادقاً في انتمائه!!
الأربعاء الماضي كان أربعاء العراق وحده خلافاً لعنوان قصيدة ت، س، اليوت المسمّاة ( أربعاء الرماد )،لم يكن هناك رماد بل فرح وانتماء حقيقي لوطن أراد البعض أن يقطّع أوصاله نزفاً وخراباً وفساداوتشرذم!!
مبارك للأبطال الذين طشّوا الفرح في كل ذرة تراب عراقية ليمتزج مع الماء وينبض دماً عراقياً خالصاً،وألف شكر على ما صنعتموه.
