منصة ثقافية أدبية

لماذا نحتاج إلى رئيس وزراء خبير بالاقتصاد؟


بتاريخ مارس 10, 2026 | في مقالات

المشاهدات : 97


محمد عبد الجبار الشبوط

يتابع العراقيون في كل دورة سياسية النقاش المتكرر حول الأسماء المطروحة لتولي رئاسة الحكومة،وغالباً ما يدور الجدل حول الانتماءات السياسية والتوازنات الحزبية والطائفية أكثر مما يدور حولالكفاءة العلمية والقدرة الحقيقية على معالجة مشكلات الدولة. ولذلك يشعر كثير من المواطنين بأنالأسماء المتنافسة أو المطروحة لا تشفي الغليل، لأنها لا تقدم رؤية علمية واضحة لحل مشكلات العراقالكبرى، وفي مقدمتها المشكلات الاقتصادية التي تشكل جوهر الأزمة العراقية منذ عقود.

إن المشكلة الأساسية في العراق اليوم ليست مجرد أزمة سياسية عابرة، بل هي أزمة بنيوية عميقة فيالاقتصاد والدولة والمجتمع. فالعراق يمتلك ثروات هائلة من النفط والموارد الطبيعية، لكنه في الوقتنفسه يعاني من اقتصاد ريعي هش يعتمد على مورد واحد، ويتأثر بشكل مباشر بتقلبات أسعار النفط فيالأسواق العالمية. وهذا النوع من الاقتصادات يظل عرضة للاهتزاز المستمر ما لم يتم التحول إلىاقتصاد متنوع يعتمد الإنتاج الحقيقي في الزراعة والصناعة والتكنولوجيا والخدمات المتقدمة.

لقد أثبتت التجربة العراقية بعد عام 2003 أن إدارة الدولة بعقلية سياسية تقليدية لا تكفي لمعالجةهذه التحديات. فالسياسي الذي يجيد إدارة التحالفات أو الصراعات السياسية اوالحزبية اوالمكوناتية قدلا يمتلك بالضرورة القدرة على إدارة اقتصاد معقد بحجم الاقتصاد العراقي، الذي يحتاج إلى سياساتمالية ونقدية دقيقة، وإلى برامج إصلاح اقتصادي طويلة المدى، وإلى فهم عميق لقضايا الاستثماروالتنمية والبطالة والديون العامة والقطاع الخاص.

إن الاقتصاد اليوم هو العمود الفقري لأي دولة حديثة. فالقوة السياسية والاستقرار الاجتماعي وحتىالأمن الوطني كلها تتغذى في النهاية من قدرة الاقتصاد على خلق الثروة وفرص العمل وتحقيق العدالةفي توزيع الموارد. وإذا كان الاقتصاد ضعيفاً فإن الدولة كلها تصبح ضعيفة، مهما امتلكت من مؤسساتسياسية أو عسكرية.

من هنا تبدو الحاجة ملحة لأن يقود الحكومة العراقية في هذه المرحلة شخص يمتلك معرفة علميةعميقة بالاقتصاد، لا مجرد معرفة عامة أو خبرة إدارية محدودة. فالعراق يحتاج إلى قائد يفهم طبيعةالاقتصاد الريعي وكيفية التحول منه إلى اقتصاد إنتاجي، ويعرف كيف يعيد بناء الطبقة الوسطى،ويستطيع وضع استراتيجية وطنية لتنويع مصادر الدخل القومي، وتطوير الزراعة والصناعة، وجذبالاستثمارات، وإصلاح النظام المالي والإداري للدولة.

كما أن التحديات الاقتصادية التي يواجهها العراق ليست بسيطة أو تقليدية. فهناك بطالة واسعة بينالشباب، وضعف شديد في القطاع الخاص، وتضخم في الجهاز الحكومي، واعتماد شبه كامل علىعائدات النفط، إضافة إلى مشاكل الفساد والهدر المالي وسوء الإدارة. وهذه المشكلات لا يمكن حلهابالشعارات السياسية أو بالحلول الترقيعية المؤقتة، بل تحتاج إلى رؤية اقتصادية شاملة مبنية على العلموالخبرة والتخطيط الطويل الأمد.

إن الدول التي نجحت في تحقيق نهضتها الحديثة غالباً ما وضعت الاقتصاد في قلب مشروعها الوطني. فالصين الحديثة نهضت عندما تبنت إصلاحات اقتصادية عميقة قادها خبراء في الاقتصاد والتنمية،وكذلك فعلت دول شرق آسيا التي تحولت خلال عقود قليلة من دول فقيرة إلى اقتصادات قوية بفضلالتخطيط العلمي والسياسات الاقتصادية المدروسة.

والعراق ليس أقل قدرة من تلك الدول، لكنه يحتاج إلى قيادة تفكر بعقل اقتصادي استراتيجي، لا بعقلسياسي يومي قصير المدى. فإدارة الاقتصاد الوطني ليست مجرد إدارة للموازنة السنوية، بل هي عمليةتاريخية لإعادة بناء الدولة والمجتمع على أسس إنتاجية حديثة.

إن الدعوة إلى أن يقود الحكومة العراقية عالم في الاقتصاد ليست دعوة تقنية ضيقة، بل هي دعوة لإعادةترتيب أولويات الدولة العراقية نفسها. فبدلاً من أن تكون السياسة هي التي تقود الاقتصاد، ينبغي أنيصبح الاقتصاد هو البوصلة التي توجه السياسات العامة للدولة.

لقد دفع العراق ثمناً باهظاً لعقود طويلة من سوء الإدارة الاقتصادية، وحان الوقت لأن تتقدم الكفاءةالعلمية على الحسابات السياسية الضيقة. فالسفينة العراقية اليوم مثقلة بالمشكلات والتحديات، ولايمكن إنقاذها إلا بقيادة تمتلك العلم والخبرة والرؤية الاستراتيجية.

ولذلك فإن الأمل يبقى معقوداً على أن تفرز الحياة السياسية العراقية في لحظة ما شخصية اقتصاديةقادرة على قيادة سفينة العراق المعطوبة نحو شاطئ الاستقرار والتنمية. لأن العراق، بثرواته البشريةوالطبيعية، يستحق اقتصاداً قوياً يليق بتاريخه ومكانته ومستقبل أجياله.

الوسوم: