منصة ثقافية أدبية

من التغريدة الى خلف الغرف المغلقة  العراق يدفع ثمن القرار 


بتاريخ فبراير 15, 2026 | في مقالات

المشاهدات : 2


فاروق الرماحي

 

في كل مرة يقترب فيها العراق من استحقاق سياسي حاسم، تعود العبارة الأميركية المألوفة إلى الواجهة

اختيار رئيس الوزراء شأن عراقي داخلي.

عبارة تبدو، في ظاهرها، احترامًا لسيادة الدولة، لكنها في السياق العملي غالبًا ما تتحول إلى غطاء دبلوماسي لرسائل ضغط أكثر صراحة.

 

فبينما تؤكد وزارة الخارجية الأميركية أنها لا تدعم مرشحًا بعينه، تتسرب في الوقت نفسه تقارير وتصريحات من دوائر القرار في واشنطن تحذّر من عودة شخصيات معينة.

الولايات المتحدة تتحدث بلغتين في آن واحد:

لغة رسمية ناعمة تحترم الشكل القانوني للسيادة، ولغة سياسية صلبة تُقال في الكواليس، أو تُمرَّر عبر التسريبات والضغوط غير المباشرة.

فواشنطن لا تقول للعراقيين صراحة

“لا تختاروا هذا المرشح”، لكنها تقول بوضوح أكبر

إذا اخترتموه، فإن العلاقة معنا لن تبقى كما هي.

 

هذه المعادلة ليست جديدة في السياسة الأميركية.

فهي تقوم على مبدأ بسيط

القرار لكم…

لكن ثمن القرار عليكم أيضًا.

 

وهكذا تتحول السيادة إلى اختبار واقعي، لا بين التدخل وعدم التدخل، بل بين القدرة على اتخاذ القرار وتحمل نتائجه في ميزان القوى الدولية.

 

في الحالة العراقية، يبدو المشهد أكثر تعقيدًا.

فالعراق ليس مجرد دولة تبحث عن رئيس حكومة، بل ساحة توازنات إقليمية ودولية.

وكل اسم يُطرح لرئاسة الوزراء لا يُقرأ في بغداد وحدها، بل في واشنطن وطهران والعواصم الإقليمية الأخرى.

لذلك فإن عبارة “لا نتدخل” لا تعني غياب التأثير، بل تعني أن التأثير يُمارس بوسائل أكثر هدوءًا وفعالية.

 

غير أن المشهد هذه المرة يحمل خصوصية مختلفة.

فالرئيس الأميركي دونالد ترامب لم يكتفِ بالرسائل الدبلوماسية التقليدية، بل أعلن موقفه بصورة مباشرة عبر تغريدة على منصته، في ما بدا أقرب إلى فيتو سياسي علني على عودة شخصية بعينها إلى السلطة.

 

لكن في المقابل، ثمة من يقرأ هذا الموقف على أنه يتقاطع مع أجندات إقليمية، وخصوصًا خليجية، سبق أن اتُّهمت بالسعي إلى تنفيذ سيناريوهات مشابهة في العراق خلف الابواب المغلقة ، كما حدث في سقوط الموصل وصعود تنظيم داعش، قبل أن تتكرر أنماط مشابهة في سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد.

وهو ما انعكس في تصريحات مسؤولين أتراك كبار، حذّروا فيها القوى الكردية من مصير مشابه لما حدث لقوات “قسد”.

 

وفي هذا السياق، يبرز تعيين توم باراك وتكليفه بملف العراق، وهو رجل لا يخفي تحفظه على نموذج الفيدراليات الهشة القائمة على مكونات متصارعة، كما هو الحال في إقليم كردستان.

هذا التوجه فُسّر في بعض الأوساط الكردية على أنه رسالة سياسية واضحة

الالتزام بتوازنات الدولة العراقية، أو مواجهة سيناريوهات أكثر قسوة.

 

لهذا، تبدو اللحظة الراهنة اختبارًا صعبًا للقيادات الكردية، بين الرهان على الجغرافيا الصلبة، أو العودة إلى معادلة الدولة الجامعة.

فتركيا وإيران، كلٌ لأسبابه، قادرتان على خنق أي كيان منفصل، أو تقويض مكتسباته تدريجيًا.

وهذا الموقف يلقى قبولًا لدى بعض القوى في بغداد، حتى من بين الأكثر اعتدالًا.

لذلك، على القوى الكردية أن تتفاوض مع القوى الفاعلة والقوية، لا مع الطرف الضعيف الذي يحتمي بدعم خارجي.

في كثير من الأحيان، يكون التفاهم مع “الصقور” أفضل، لأن للصقر أهدافه واضحة ومعلنة، بعكس من يختبئ خلف المظلات السياسية

وعند تلك اللحظة، لن ينفع الجبل، مهما كان صخريًا وصلبًا،

بل الدولة الأم وحدها هي القادرة، على حماية جميع أبناءها .

الوسوم: