منصة ثقافية أدبية

الغرب يتراجع .. والمستقبل للشرق / ماريان روثمان


بتاريخ مايو 3, 2025 | في مقالات

المشاهدات : 172


ماريان روثمان /خبيرة أمريكية سويدية في التواصل الثقافي

‎لم تعد أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية تحتلان موقع القيادة العالمية كما كانتا في السابق. فخلف الصورة اللامعة للديمقراطية والازدهار، تتجلى حقائق قاسية: تدهور سياسي، بنى تحتية متهالكة، تصاعد الفقر، أزمات متفاقمة في الصحة النفسية، وقادة يبدون اهتماماً أكبر بإشعال الحروب الخارجية على حساب رعاية أوطانهم. الغرب ينزف قواه ببطء — والعالم يراقب.

‎في المقابل، يتحرك الشرق والشرق الأوسط، اللذان طالما اعتُبرا مناطق مضطربة، بثبات وحكمة نحو البناء، والتطوير، والاستثمار في المستقبل.

‎الغرب: تآكل من الداخل
‎في الولايات المتحدة، تنهار الطرق السريعة والجسور، وحتى أنظمة المياه الأساسية أصبحت مهددة. أزمة المياه في فلينت، ميشيغان، لم تكن حدثًا معزولاً، بل كانت دليلاً على إهمال ممنهج. أصبحت الرعاية الصحية ترفاً لا حقاً أساسياً، حيث يضطر الملايين إلى الإفلاس لمجرد الحصول على العلاج. أما المدارس، التي كانت ذات يوم منارات للفرص، فقد باتت تعكس الانقسامات الاجتماعية العميقة.

‎أما أوروبا، التي طالما اعتُبرت نموذجاً للرفاهية والاستقرار، فهي اليوم تواجه أزمات متتالية. فرنسا تغرق في موجات من الاحتجاجات، وألمانيا تواجه ركودًا اقتصادياً وتفككًا سياسياً، بينما تعاني السويد من تصاعد معدلات الجريمة والانقسام المجتمعي.

‎ورغم التحديات الداخلية، تستمر الحكومات الغربية بضخ تريليونات الدولارات في التحالفات العسكرية والحروب بالوكالة وصناعة الأسلحة — مع تحوّل أوكرانيا وغزة إلى مستنقعات مالية لا تنضب. أصبحت الحروب هي التجارة الأساسية بدلاً من رعاية الإنسان والمجتمع.

‎الشرق: استراتيجية البناء للمستقبل
‎على النقيض من ذلك، يختار الشرق والشرق الأوسط مسارًا مختلفًا.

‎تواصل الصين توسيع حضورها العالمي عبر مشاريع عملاقة مثل مبادرة الحزام والطريق، بالتوازي مع تحديث بنيتها التحتية الداخلية. من القطارات عالية السرعة إلى استثمارات الطاقة النظيفة والشبكات الرقمية الحديثة، تعمل الصين على تحسين جودة حياة مواطنيها.

‎وفي الخليج العربي، تحولت دولة الإمارات العربية المتحدة إلى مركز عالمي للتكنولوجيا والسياحة والتمويل. أما المملكة العربية السعودية، فتمضي قدمًا برؤية 2030، حيث تستثمر بشكل ضخم في بناء مدن مستقبلية مثل “نيوم”، وتطوير قطاعات الصحة، والتعليم، والثقافة استعدادًا لعصر ما بعد النفط.

‎حتى الدول التي عانت من ويلات الحروب، مثل العراق، بدأت في اتخاذ خطوات جادة نحو إعادة الإعمار، مركزة على الصحة والتعليم وتعزيز الهوية الوطنية.

‎بينما يواصل الغرب الاعتماد على أدواته التقليدية من عسكرة وانقسام ومضاربات مالية، يبني الشرق أسساً حقيقية للقرن الحادي والعشرين: الوحدة الوطنية، البنية التحتية المتطورة، التعليم النوعي، والابتكار المستدام.

‎سباق مصيري مع الزمن
‎يجب أن يدرك الغرب حقيقة صارخة: القيادة العالمية لا تُورَّث، بل تُكتسب عبر الجدارة والعمل الجاد. واليوم، تبدد هذه الفرصة الثمينة أمام أعيننا.

‎إذا أرادت أوروبا والولايات المتحدة الحفاظ على مكانتهما، عليهما أن تعيدا النظر في أولوياتهما، وتبدآ بإصلاح أوضاعهما الداخلية، ومعالجة الانقسامات، وإعادة بناء أسسهما الاجتماعية والاقتصادية.

‎إن معركة المستقبل لن تُحسم بمن يمتلك أكبر عدد من الأسلحة، بل بمن ينجح في بناء مجتمعات أكثر صحة، وأكثر اتصالاً، وأكثر مرونة.

‎لقد أدركت الصين ذلك. والشرق الأوسط بدأ يدركه أيضاً. أما الغرب، فإن لم يبادر إلى إدراك هذه الحقيقة والعمل بمقتضاها، فسيجد نفسه مهمشاً، مجرد ذكرى باهتة لعصر مضى.

‎الوقت لاتخاذ القرار ليس غدًا
‎إنه الآن

الوسوم: